ابن أبي الحديد

17

شرح نهج البلاغة

عقولهم ، فإذا تركوه ساغ له في الحكمة تعذيبهم وعقوبتهم ، فكأنه قد أبان لهم عذره أن لو قالوا : لم تعاقبنا ؟ . ومحابه من الأعمال ، هي الطاعات التي يحبها ، وحبه لها إرادة وقوعها من المكلفين . ومكارهه من الأعمال : القبائح التي يكرهها منهم ، وهذا الكلام حجة لأصحابنا على المجبرة . والخبر الذي رواه عليه السلام مروي في كتب المحدثين ، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حجبت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ) ، ومن المحدثين من يرويه : ( حفت ) فيهما ، وليس منهم من يرويه : ( حجبت ) في النار ، وذلك لان لفظ ( الحجاب ) إنما يستعمل فيما يرام دخوله وولوجه لمكان النفع فيه ، ويقال : حجب زيد مأدبة الأمير ، ولا يقال : حجب زيد عن الحبس . ثم ذكر عليه السلام أنه لا طاعة إلا في أمر تكرهه النفس ، ولا معصية إلا بمواقعة أمر تحبه النفس ، وهذا حق ، لان الانسان ما لم يكن متردد الدواعي لا يصح التكليف ، وإنما تتردد الدواعي إذا أمر بما فيه مشقة ، أو نهى عما فيه لذة ومنفعة . فإن قلت : أليس قد أمر الانسان بالنكاح . وهو لذة ؟ قلت : ما فيه من ضرر الانفاق ومعالجة أخلاق النساء يربى على اللذة الحاصلة فيه ( 1 ) مرارا . ثم قال عليه السلام : ( رحم الله امرأ نزع عن شهوته ) أي أقلع . وقمع هوى نفسه ، أي قهره . ثم قال : فإن هذه النفس أبعد شئ منزعا ، أي مذهبا ، قال أبو ذؤيب : والنفس راغبة إذا رغبتها * وإذا ترد إلى قليل تقنع ( 2 ) .

--> ( 1 ) د : ( منه ) . ( 2 ) ديوان الهذليين 1 : 3 .